
إعداد – روسيانا
تبدأ بعض الحكايات الشهيرة من تجربة بسيطة، وقد تتحول ملاحظة عابرة إلى منتج يرتبط باسم منطقة بأكملها. وهذا ما حدث مع زبدة فولوغدا الروسية، المعروفة بنكهتها الغنية ولمستها التي تشبه طعم الجوز، والتي ارتبط ظهورها بتجربة صانع ألبان روسي استلهم فكرته من زبدة فرنسية تذوّقها في باريس.
مذاق فرنسي ألهم تجربة روسية
تعود الحكاية إلى نيكولاي فيريشاغين، أحد رواد صناعة الألبان في روسيا خلال القرن التاسع عشر. ففي معرض باريس عام 1867، لفتت انتباهه زبدة نورماندية بمذاقها ورائحتها، فبدأ التفكير في إنتاج زبدة مماثلة، مستفيداً من تجاربه في معالجة القشدة وطرق تصنيع الزبدة.
لم تكن النتيجة مجرد نسخة من المنتج الفرنسي؛ إذ أسهمت طريقة تسخين القشدة إلى درجات مرتفعة قبل خضّها في منح الزبدة نكهة مميزة، توصف بأنها قريبة من طعم المكسرات. وهكذا ظهر منتج جديد جمع بين الاستلهام من تجربة أوروبية وتطوير طريقة تصنيع خاصة به في روسيا.
من الزبدة الباريسية إلى زبدة فولوغدا
في بداياتها، عُرفت الزبدة التي ابتكرها فيريشاغين باسم «الزبدة الباريسية»، بينما اشتهرت في بعض أسواق التصدير باسم «الزبدة البطرسبورغية»، نسبة إلى سانت بطرسبورغ التي كانت تمر عبرها تجارة المنتج إلى الخارج.
لكن الاسم الذي استقر لاحقاً كان «زبدة فولوغدا»، نسبة إلى المنطقة الروسية التي ارتبطت بإنتاجها. واعتمد الاسم رسمياً عام 1939، ليصبح جزءاً من هوية المنطقة الغذائية وتراثها في صناعة الألبان.
ما الذي يميز نكهتها؟
تشتهر زبدة فولوغدا برائحتها الغنية ونكهتها التي تذكّر بالجوز، وهي خصائص ترتبط بطريقة تحضير القشدة والتحكم في درجات الحرارة أثناء التصنيع. ولا تعتمد شهرتها على الاسم وحده، بل على أسلوب إنتاج تقليدي حافظ على سمعة المنتج عبر أجيال.
وتُعد تسمية «زبدة فولوغدا» محمية، فلا يحق استخدام الاسم للمنتجات المصنّعة خارج المنطقة المحددة وفق القواعد المعمول بها. وهذا يربط المنتج بمكانه وطريقة إنتاجه، على غرار منتجات غذائية أخرى اكتسبت شهرتها من ارتباطها بمنطقة بعينها.
حكاية من المطبخ الروسي
لم تبقَ زبدة فولوغدا مجرد منتج ألبان محلي؛ فقد تحولت إلى أحد الرموز الغذائية المعروفة في المنطقة، وأصبحت قصتها مثالاً على كيفية تطور صناعة تقليدية بفضل التجربة والملاحظة وتبادل التأثيرات بين البلدان.
ومن تذوّق زبدة في معرض بباريس إلى تطوير وصفة في روسيا، ارتبط اسم فولوغدا بنكهة مميزة جعلت الزبدة أكثر من مجرد مكوّن على المائدة؛ إذ أصبحت جزءاً من حكاية محلية انتقلت من مصانع الألبان إلى ذاكرة المطبخ الروسي.




